.
أيُّ مغرب نريد ؟
في بلدٍ يضمّ ما يقارب 52 ألف مسجد، وفق معطيات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لسنة 2024، لا يبدو أن المشكلة تكمن في عدد المآذن التي تعانق السماء، بل في عدد المدارس التي تتساقط جدرانها فوق أحلام الأطفال، وعدد المستشفيات التي تئنّ تحت ضغط المرضى، وعدد القرى التي ما زالت تنتظر قطرة ماء صالحة للشرب
الأرقام وحدها لا تثير الغضب، لكن المفارقة تفعل.
حين يُعلن عن تخصيص مئات الملايين من الدراهم لبناء وترميم عشرات المساجد الجديدة، بينما تغرق مناطق بأكملها في الفيضانات دون بنية تحتية تحميها، يصبح السؤال مشروعًا: هل أولوياتنا تعكس احتياجات الناس أم تعكس رؤية سياسية تبحث عن الرمزية بدل الكرامة الملموسة؟
ليس الدين والعبادة هي المشكلة.
فالإيمان متجذر في قلوب المغاربة، والمساجد عامرة منذ قرون.
لكن حين يتحول الاستثمار العمومي إلى سباق في عدد القباب بدل عدد المختبرات العلمية، وعدد المحاريب بدل عدد أسرّة الإنعاش، فإننا لا نبني مجتمعًا قويًا، بل نعيد إنتاج الهشاشة في ثوب مقدس
المغرب، الذي يتذيّل مراتب متقدمة في تقارير التنمية البشرية، لا يحتاج إلى المزيد من الخطاب الروحي بقدر ما يحتاج إلى عدالة اجتماعية.
يحتاج إلى تعليم يفتح أبواب المستقبل، لا إلى شباب يغادرون المدارس باكرًا لأن الفصول مكتظة أو لأن المعلم منهك.
يحتاج إلى مستشفيات تُداوي لا إلى أسرٍ تبيع ما تملك لتدفع ثمن عملية جراحية او عبور البحر فوق مركبة مهترئة .
يحتاج إلى قضاء يشعر المواطن أمامه بالطمأنينة لا بالارتياب
حين تغرق القرى في الطين، لا ينقذها عدد المآذن، بل تنقذها السدود المشيدة بطرق تراعي أمن المواطنين، والطرقات المعبدة، وشبكات الصرف الصحي.
وحين يهاجر الطبيب والمهندس بحثًا عن كرامة مهنية، لا يُعيده ارتفاع قبة جديدة، بل تُعيده بيئة تحترم العلم وتكافئ الكفاءة
السؤال إذن ليس: هل نبني مساجد؟ بل: هل نبني الإنسان؟
في لحظات التحول الكبرى، تعيد الأمم ترتيب أولوياتها.
تعترف بأن الكرامة تبدأ من المدرسة، وأن السيادة تبدأ من مستشفى مجهز، وأن الاستقرار يبدأ من عدالة اجتماعية حقيقية.
حين يشعر المواطن أن أمواله تُستثمر في مستقبله، لا في صور رمزية، تتجدد الثقة بين الدولة والمجتمع
إن النقاش حول شكل الدولة، سواء بقيت مركزية أو اتجهت نحو صيغة لامركزية وفيدرالية، ليس نقاشًا نظريًا.
إنه نقاش حول من يقرر، وكيف تُوزَّع الموارد، ومن يُحاسَب.
إنه نقاش حول تحويل المواطن من متلقٍ للقرارات إلى شريك في صنعها
المغرب لا ينقصه الإيمان، بل ينقصه ترتيب الأولويات.
لا ينقصه الخطاب، بل ينقصه الاستثمار في الإنسان.
فالأوطان لا تُقاس بعدد قبابها، بل بعدد العقول التي تُبدع، وعدد المرضى الذين يُشفَون، وعدد الأطفال الذين يبتسمون وهم يدخلون مدرسة تليق بأحلامهم
ذلك هو السؤال الذي يطرق باب كل بيت:
أيُّ مغرب نريد؟ مغرب الرمزية، أم مغرب الكرامة؟

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire